ابن قيم الجوزية

273

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ربها والإقبال بكليتها عليه . وهذه الحال أعلى أحوالها . وأرفعها وهي التي يشمر إليها المجاهد ، وما يحصل له من ثواب مجاهدته وصبره فهو لتشميره إلى درجة الطمأنينة إلى اللّه . فهو بمنزلة راكب القفار ، والمهامة والأهوال ، ليصل إلى البيت فيطمئن قلبه برؤيته والطواف به . والآخر بمنزلة من هو مشغول به طائفا وقائما ، وراكعا وساجدا . ليس له التفات إلى غيره . فهذا مشغول بالغاية ، وذاك بالوسيلة . وكل له أجر . ولكن بين أجر الغايات وأجر الوسائل بون . وما يحصل للمطمئن من الأحوال والعبودية والإيمان فوق ما يحصل لهذا المجاهد نفسه في ذات اللّه ، وإن كان أكثر عملا ، فقدر عمل المطمئن المنيب بجملته وكيفيته أعظم ، وإن كان هذا المجاهد أكثر عملا . وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . فما سبق الصدّيق الصحابة بكثرة عمل . وقد كان فيهم من هو أكثر صياما وحجا وقراءة وصلاة منه . ولكن بأمر آخر قام بقلبه ، حتى إن أفضل الصحابة كان يسابقه ولا يراه إلا أمامه . ولكن عبودية مجاهد نفسه على لذة الذنب والشهوة قد تكون أشق . ولا يلزم من مشقتها تفضيلها في الدرجة . فأفضل الأعمال الإيمان باللّه . والجهاد أشق منه وهو تاليه في الدرجة . ودرجة الصديقين أعلى من درجة المجاهدين والشهداء . وفي « مسند » الإمام أحمد من حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ذكر الشهداء فقال : « إن أكثر شهداء أمتي لأصحاب الفرش . ورب قتيل بين الصفين اللّه أعلم بنيته » . علامات الإنابة ومن علامات الإنابة : ترك الاستهانة بأهل الغفلة والخوف عليهم ، مع فتحك باب الرجاء لنفسك . فترجو لنفسك الرحمة ، وتخشى على أهل الغفلة النقمة ، ولكن ارج لهم الرحمة . واخش على نفسك النقمة . فإن كنت لا بد مستهينا بهم ماقتا لهم ، لانكشاف أحوالهم لك ، ورؤية ما هم عليه ، فكن لنفسك أشد مقتا منك لهم ، وكن أرجى لهم لرحمة اللّه منك لنفسك . قال بعض السلف : لن تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات اللّه ، ثم ترجع إلى نفسك فتكون لها أشد مقتا . وهذا الكلام لا يفقه معناه إلا الفقيه في دين اللّه . فإن من شهد حقيقة الخلق ، وعجزهم وضعفهم وتقصيرهم ، بل تفريطهم ، وإضاعتهم لحق اللّه ، وإقبالهم على غيره ، وبيعهم حظهم من اللّه بأبخس الثمن من هذا العاجل الفاني - لم يجد بدا من مقتهم . ولا يمكنه غير ذلك البتة . ولكن إذا رجع إلى نفسه وحاله وتقصيره ، وكان على بصيرة من ذلك : كان لنفسه أشد مقتا واستهانة . فهذا هو الفقيه . وأما الاستقصاء في رؤية علل الخدمة : فهو التفتيش عما يشوبها من حظوظ النفس ، وتمييز حق الرب منها من حظ النفس . ولعل أكثرها - أو كلها - أن تكون حظا لنفسك وأنت لا تشعر . فلا إله إلا اللّه ، كم في النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال : أن تكون للّه خالصة ، وأن تصل إليه ؟ وإن العبد ليعمل العمل حيث لا يراه بشر البتة ، وهو غير خالص للّه . ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه نطاقا ، وهو خالص لوجه اللّه . ولا يميز هذا إلا أهل